تشهد المنظومة الصحية في المغرب تحولات كبرى في إطار إصلاح القطاع، وأبرز هذه التغييرات هو انتقال الأطر الصحية من موظفين عموميين إلى مستخدمين لدى المجموعات الصحية الترابية (GST). ورغم أن هذا التحول يهدف إلى تحسين الخدمات الصحية وتعزيز اللامركزية، إلا أنه يثير مخاوف كبيرة بين مهنيي الصحة بسبب التداعيات المحتملة على حقوقهم ومكتسباتهم.
التغييرات الجديدة في وضعية الأطر الصحية
يُعد تغيير وضعية الأطر الصحية أحد أهم مخرجات إصلاح المنظومة الصحية، حيث سيتم إدماجهم ضمن المجموعات الصحية الترابية بدلًا من بقائهم كموظفين في الوظيفة العمومية. ويعني هذا التحول:
- فقدان الاستقرار الوظيفي الذي كانت تضمنه الوظيفة العمومية.
- احتمال التأثير على الحقوق الاجتماعية مثل التقاعد والتعويضات.
- تغييرات في نظام الأجور والترقيات، مما قد يؤدي إلى تفاوتات في الرواتب بين موظفي القطاع العمومي والمستخدمين الجدد.
التحديات الرئيسية لهذا التحول
1. فقدان المكتسبات الاجتماعية
كان موظفو الصحة يتمتعون بعدة امتيازات، مثل الاستفادة من النظام الأساسي للوظيفة العمومية، وضمانات التقاعد، والاستقرار المهني. مع هذا الإصلاح، يخشى العديد من الأطر الصحية أن تتأثر هذه الامتيازات، مما قد ينعكس على جاذبية المهنة واستقرارها.
2. منافسة غير متكافئة بين القطاعين العام والخاص
يهدف الإصلاح إلى جعل المستشفيات العمومية أكثر قدرة على المنافسة مع القطاع الخاص. ومع ذلك، يواجه القطاع العام اختلالات كبيرة، مثل نقص التجهيزات، والخصاص في الموارد البشرية، وضعف الحوافز المالية، مما يجعله غير مستعد لمنافسة المؤسسات الخاصة التي توفر ظروف عمل وأجورًا أفضل.
3. ضعف جاهزية المؤسسات العمومية
تعاني المستشفيات العمومية من مشاكل هيكلية متراكمة، مثل نقص المعدات الطبية، الضغط الكبير على الأطر الصحية، وضعف الإدارة. في ظل هذا الواقع، يبدو من الصعب تحقيق تكافؤ حقيقي بين القطاعين، مما قد يؤدي إلى نزيف الكفاءات نحو القطاع الخاص أو الهجرة للخارج.
4. مستقبل غامض لموظفي القطاع الصحي العمومي
مع فقدان الاستقرار الذي كانت تضمنه الوظيفة العمومية، قد يصبح الأطباء والممرضون أكثر عرضة لتقلبات سوق العمل. كما أن النظام الجديد قد يفتح الباب أمام نظام تعاقدي غير مستقر، مما يهدد مستقبل العاملين في القطاع الصحي.
الرهانات والفرص الممكنة
رغم هذه التحديات، يمكن لهذا الإصلاح أن يكون فرصة إذا تم تطبيقه بشكل متوازن وعادل، من خلال:
- تحسين ظروف العمل في القطاع العام عبر زيادة الموارد المالية والتجهيزات.
- ضمان حقوق الأطر الصحية من خلال اتفاقيات عمل واضحة تحافظ على المكتسبات.
- تشجيع الاستثمار في المستشفيات العمومية لتقليل الفجوة بين القطاعين العام والخاص.
- تحفيز الأطر الصحية عبر أجور تنافسية وبرامج تكوين مستمرة.
خاتمة
يُعد الإصلاح الصحي في المغرب خطوة جريئة تهدف إلى تحسين جودة الخدمات الصحية، لكنه يثير في المقابل مخاوف كبيرة لدى الأطر الصحية. لضمان نجاحه، يجب على الحكومة اتخاذ تدابير ملموسة لحماية حقوق العاملين وتحقيق التوازن بين القطاعين العام والخاص. وإلا، فإننا قد نشهد نزيفًا حادًا للكفاءات الصحية، مما سيؤثر سلبًا على جودة الرعاية الصحية ببلادنا.